محمد بن جرير الطبري

364

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقد بينا صفة " الطبع على القلب " ، فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته . ( 1 ) * * * = " فلا يؤمنون إلا قليلا " ، يقول : فلا يؤمن - هؤلاء الذين وصف الله صفتهم ، لطبعه على قلوبهم ، فيصدقوا بالله ورسله وما جاءتهم به من عند الله - إلا إيمانًا قليلا يعني : تصديقًا قليلا وإنما صار " قليلا " ، ( 2 ) لأنهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به ، ولكن صدَّقوا ببعض الأنبياء وببعض الكتب ، وكذبوا ببعض . فكان تصديقهم بما صدَّقوا به قليلا لأنهم وإن صدقوا به من وجه ، فهم به مكذبون من وجه آخر ، وذلك من وجه تكذيبهم من كذَّبوا به من الأنبياء وما جاءوا به من كتب الله ، ورسلُ الله يصدِّق بعضهم بعضًا . وبذلك أمر كل نبي أمته . وكذلك كتب الله يصدق بعضها بعضًا ، ويحقق بعض بعضًا . فالمكذب ببعضها مكذب بجميعها ، من جهة جحوده ما صدقه الكتاب الذي يقرّ بصحته . فلذلك صار إيمانهم بما آمنوا من ذلك قليلا . ( 3 ) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : 10774 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : " فبما نقضهم ميثاقهم " ، يقول : فبنقضهم ميثاقهم لعنَّاهم = " وقولهم قلوبنا غلف " ، أي لا نفقه = ، " بل طبع الله عليها بكفرهم " ، ولعنهم حين فعلوا ذلك . * * *

--> ( 1 ) انظر تفسير " الطبع " فيما سلف 1 : 258 . ولم يمض ذكر " الطبع " بهذا اللفظ في آية قبل هذه الآية ، ولكنه نسي ، إنما الذي مضى ما هو في معناه وهو " ختم الله على قلوبهم " ، و " الختم " هو " الطبع " . ( 2 ) انظر تفسير " قليل " فيما سلف 2 : 329 - 331 / 8 : 439 ، 577 . ( 3 ) تفسير " قليل " فيما سلف من الآيات التي أشرنا إليها ، فهو أجود مما هنا .